ابن أبي الحديد

40

شرح نهج البلاغة

إلى أخلائهم وذوي مودتهم مثل هذا . في مثل هذه الحال ، فردها وكتب إلي : هذا الكتاب فأقرأه ، قال : فقرأته ، وهو اعتذار عن الرد ، وفي جملته : إننا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذا الامر من نسائنا ، ولسن ممن يأخذن أجره ، ولا يقبلن صلة . قال : فهذا هذا . وأما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الأملاك ببادوريا تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى ، فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ، ثمنها دينار واحد ، قد كتب إلي منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب ، فأقرأه ، فقرأته ، وهو أكثر من مائة سطر ، يتضمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهز والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه . قال فخر الملك : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل ؟ هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النفس ، أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة ، ونفسه تلك النفس ! فقلت : وفق الله تعالى سيدنا الوزير ، فما زال موفقا ، والله ما وضع سيدنا الوزير الامر إلا في موضعه ، ولا أحله إلا في محله ! وقمت فانصرفت . * * * وتوفي الرضي رحمه الله في المحرم من سنة أربع وأربعمائة ، وحضر الوزير فخر الملك ، وجميع الأعيان والاشراف والقضاة جنازته ، والصلاة عليه ، ودفن في داره بمسجد الأنباريين بالكرخ ، ومضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر عليهما السلام ، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه ، وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ، ومضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي ، فألزمه بالعود إلى داره .